الجصاص

466

أحكام القرآن

الإيجاب لو قال : عليكم التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو بكر : والصحيح أنه لا دلالة فيه على الوجوب ، بل دلالته على الندب أظهر منها على الإيجاب لما ذكرنا ، ومع ذلك ورد بصيغة الأمر لما دل على الوجوب في أفعاله صلى الله عليه وسلم ، لأن التأسي به هو أن نفعل مثل ما فعل ، ومتى خالفناه ( في اعتقاد الفعل أو في معناه لم يكن ذلك تأسيا به ، ألا ترى أنه إذا فعله على الندب وفعلناه على الوجوب كنا غير متأسين به ، وإذا فعل صلى الله عليه وسلم فعلا لم يجز لنا أن نفعله على اعتقاد الوجوب فيه حتى نعلم أنه فعله على ذلك ؟ فإذا علمنا أنه فعله على الوجوب لزمنا فعله على ذلك الوجه لا من جهة هذه الآية ، إذ ليس فيها دلالة على الوجوب لكن من جهة ما أمرنا الله تعالى باتباعه في غير هذه الآية . وقوله تعالى : ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ) ، قيل إنه وعدهم أنهم إذا لقوا المشركين ظفروا بهم واستعلوا عليهم ، كقوله تعالى : ( ليظهره على الدين كله ) [ التوبة : 33 ] . وقال قتادة : الذي وعدهم في قوله : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) [ البقرة : 214 ] الآية . وقوله تعالى : ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) إخبار عن صفتهم في حال المحنة وأنهم ازدادوا عندها يقينا وبصيرة ، وذلك صفة أهل البصائر في الإيمان بالله . وقوله تعالى : ( فمنهم من قضى نحبه ) قيل : إن النحب النذر ، أي قضى نذره الذي نذره فيما عاهد الله عليه . وقال الحسن : " قضى نحبه : مات على ما عاهد عليه " . ويقال : إن النحب الموت ، والنحب المد في السير يوما وليلة . وقال مجاهد : " قضى نحبه : عهده " . قال أبو بكر : لما كان النحب قد يجوز أن يكون المراد به العهد والنذر وقد مدحهم الله على الوفاء به بعينه ، دل ذلك على أن من نذر قربة فعليه الوفاء به بعينه دون كفارة اليمين . وقوله تعالى : ( وأنزل الذين ظاهر وهم من أهل الكتاب من صياصيهم ) ، قيل في الصياصي : إنها الحصون التي كانوا يمتنعون بها . وأصل الصيصة قرن البقرة وبها تمتنع ، وتسمى بها شوكة الديك لأنه بها يمتنع ، فسميت الحصون صياصي على هذا المعنى . وروي أن المراد بها بنو قريظة ، كانوا نقضوا العهد وعاونوا الأحزاب ، وقال الحسن : هم بنو النضير . وسائر الرواة على أنهم بنو قريظة ، وظاهر الآية يدل عليه لأنه قال تعالى : ( فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ) ، ولم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير ولا أسرهم وإنما أجلاهم عن بلادهم . وقوله تعالى : ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها ) ، يعني به أرض بني قريظة . وعلى تأويل من تأوله على بني النضير فالمراد أرض بني النضير .